جلال الدين الرومي

191

فيه ما فيه

الحق تعالى إن تلك الفصاحة والبلاغة التي كنت تطلبها قد وهبتك إياها ، قال يا رب ماذا أفعل بها ولست في حاجة إليها ولا أريدها ، وقال الحق تعالى لا تحزن أن ذلك سيكون ولن تخسر شيئا فحدثه الحق تعالى قائلا : إن جميع العالم منذ القدم حتى هذا العهد والذي كتب في شرحه العديد من المجلدات ولا يزال يكتب ، ما زال الجميع قاصرين عن إدراكه ، وقد قال الحق تعالى إن الصحابة قد ذكرت اسمك في الأذان خفية وذلك خشية الحاسدين وسأنشر عظمتك إلى الحد الذي معه تؤذّن فوق المنابر العالية في الأقاليم الخمسة من العالم ، وسوف يصبح ذلك مشهورا في أصوات عالية وألحان لطيفة في المشرق والمغرب . والآن فإن كل من خسر ذاته في هذا الطريق ، فقد تيسرت له كل الآمال الدينية والدنيوية ، ولم يشك شخص في هذا الطريق فأحاديثنا كلهما نقد وأحاديث الآخرين نقل ، وهذا النقل فرع للنقد ، والنقد مثل قدم الإنسان ، والنقد بمثابة قالب خشبى على هيئة قدم الإنسان ، والآن فقد سرقت تلك القدم الخشبية من هذه القدم الأصلية وأخذوا مثيلها . ولو لم يكن في العالم قدم ، فمن أين كانوا يعرفون هذا القالب ، إذن بعض الأحاديث نقد والبعض نقل وهي تشبه بعضها الآخر والمؤمن هو الذي يفرّق بين النقد والنقل ، والكفر هو عدم التمييز . ألا ترى أنه في عصر فرعون عندما أصبحت عصا موسى حية تسعى ، وأصبحت أخشاب السحرة وأحبالهم حيات تسعى ؟ إن ذلك لم يميز ورأى الجميع لونا واحدا ولم يفرق ، وأن ذلك قد ميز ففهم السحر عن طريق اللّه وآمن بواسطة التمييز .